محمد بن عبد المنعم الحميري
90
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
المتوكل عمر بن محمد فلقيهم بما يجب من الأقوات والضيافات ، وبذلك مجهوده ، ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم ، ولما ازدلف بعضهم إلى بعضٍ ، أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند ، إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد ، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه ، أو لقضاء حاجته ، فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيلٍ على أفواه طرق محلاتهم ؛ فلا يكاد الخارج منهم من المحلة يخطئ إذ ذاك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم . ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه فامتلأ غيظاً وعتا وطغا وراجعه بما يدل على شقائه ، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم ، ونشروا أناجيلهم ، وخرجوا يتبايعون على الموت ؛ ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما ، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ، ويحذرونهم الفرار ؛ وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم ، وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم ، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة ، ورجع الناس إلى محلاتهم ، وباتوا ليلتهم ، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة ، فبعث لابن عباد يقول : غداً يوم الجمعة وهو عيدكم ، وبعده الأحد وهو عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت ! فعرف المعتمد بذلك يوسف ، فقال : نعم ! فقال له المعتمد : هذه خديعة من ابن فرذلند ! إنما يريد غدر المسلمين ! فلا تطمئن إليه ، وليكن الناس على استعدادٍ له طول يوم الجمعة كل النهار ! وبات الناس ليلتهم على أهبةٍ واحتراسٍ بجميع المحلات ، خائفين من كيد العدو ، وبعد مضي جزءٍ من الليل انتبه